
رئيس الحكومة الهولندية :
سأعترض محاولات "أسلمة" الثقافة
يواجه المسلمون في هولندا عقبات كثيرة في مسعاهم إلى تطوير حضورهم في الحياة السياسية الهولندية، منها ما يرجع إلى الإطار العام الذي يتحركون فيه؛ حيث لا تظهر كافة القوى السياسية الحماسة ذاتها للانفتاح عليهم.
ومنذ أيام قليلة أكد رئيس الحكومة الهولندية يان بيتر بالكانيندا أنه لن يسمح بـ"أسلمة" الثقافة الهولندية. وقال إنه على وعي تام وإدراك "بمحاولات الأسلمة".
رئيس الوزراء الهولندي
وأشار بالكانيندا إلى أنه على المؤسسات والمنظمات الهولندية أن تحترم مبادئ الإسلام، دون أن" تصطبغ بالثقافة الإسلامية".
ونقلت جريدة "الوطن" السعودية عن بلكانيندا قوله إن الثقافة والقيم الهولندية تقومان على أساس الديموقراطية وحقوق الدولة والمواطنين، ولا يوجد داخل مؤسسات الدولة تصنيفات دينية أو ثقافة دينية، وبالتالي لن يسمح للإسلام بفرض ثقافته على مؤسسات الدولة.
جاء ذلك في رد رسمي من قبل رئيس الحكومة على سؤال وجهه جيرت فيلدرز، رئيس الحزب اليميني المعادى للإسلام "حزب الحرية"، الذي أستفسر فيه أمام البرلمان حول ما يتردد في الأروقة السياسة والاجتماعية حول السماح للإسلام بالتأثير أو اختراق الثقافة الهولندية، وهو ما يطلق عليه اسم "أسلمة الثقافة الهولندية".
وكان فيلدرز طالب مؤخرا بطرد المسلمين وحظر القرآن الكريم.
تاريخ مضطرب
تاريخ طويل من المشاكل التي يواجهها المسلمون فقد أثار تصرف الجنود الهولنديين اللذين يعملون تحت قيادة الأمم المتحدة في البوسنة و الهرسك عام 1995 انتقاداً دولياً، حيث اتهموا بعدم بذل أي جهد لوقف مذبحة الصرب في حق سكان سريبرينيشا المسلمين .
وتطل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتفجيرات مدريد وحادث اغتيال المخرج الهولندي فان غوخ في نوفمبر2004 في هذا السياق ووصولا لأحداث مدريد ولندن وما يشوبها من تعقيدات وتضيق ,لم يبرز الأمر أكثر وضوحاً، في هولندا، في أي حدث كما وضح بعد عملية اغتيال المخرج الهولندي، تيو فان جوخ، المعروف بنزعته اليمينية المتطرفة وبعدائه السافر للإسلام في 2 نوفمبر 2004، على يد شاب مغربي، بسبب انتقادات وجهها للمسلمين في أحد أفلامه ( خضوع),وأوجدت هذه الأجواء موجة أعمال عدائية ضد المسلمين، ودعوات للثأر وتشديد الخناق على المسلمين أو ترحيلهم.
يصور المخرج رواية امرأة مسلمة تؤدي فريضة الصلاة وتقول عن نفسها
مخرج الفيلم
مطيعة للدين والحياء يغلبها، فتحمل الممثلة شخصية هذه المرأة التي تعرفت على صديقها رحمن في إحدى الأسواق، وارتبطت به عاطفيا طوال أشهر إلى أن انكشف الأمر، فرّ رحمن بعيداً بمساعدة والده ومثلت العاشقة أمام المحكمة الإسلامية وحُكم عليها بالجلد، صورها المخرج الهولندي ملقاةً وقد كتبت الآيات الكريمة على لحمها مثل آثار السوط الذي نزل في حقها، وتروي الممثلة أن والدها فرض عليها زوجاً لا تحبه بل كانت ضحية اغتصاب من عمها ونهاية المأساة أن والدتها فرضت عليها الصمت حفظاً للشرف .
وبسبب فيلمه هذا طعنه مشتبه به بخنجر تاركاً وراءه رسالة الثأر,والتي تضمنت بحسب ما نشر لحد الآن تهديدات ضد شخصيات سياسية منها كاتبة السيناريو النائبة الهولندية الصومالية والمسلمة الأصل إيان هرشي علي ,بينما تكتمت سلطات الأمن على النائبة الهولندية والصومالية الأصل كاتبة سيناريو فيلم الإذعان، حيث أخفتها في إحدى القواعد البحرية في أمستردام مثلما تحفظت على المنشق اليميني جيرت فيلديرس طوال أربعة أشهر في معسكر شهير هو معسكر كامب زيست الذي كان لعدة سنوات قلعة اسكتلندية وسط هولندا.
تبنى البرلمان الهولندي عقب أيام قليلة من الحادث، قراراً يلزم الحكومة بمقاضاة الهيئة الإدارية لمسجد التوحيد في امستردام وبمحاكمة إمام هذا المسجد بتهمة التحريض على القتل في خطبه، تمهيداً لطرده من البلاد نهائياً، وذلك بدعوى أن المغربي المتهم بالحادث، كان يرتاد ذلك المسجد .
فاقم من حدة ذلك، توجهات الحكومة القائمة في هولندا، والتي يقودها لفيف من الأحزاب اليمينية المتشددة التي تعمل منذ توليها السلطة عام 2003 ، على تنفيذ برامج ذات طابع عدائي ضد الأقليات الأجنبية، باتخاذ حزمة إجراءات أو تبنى تشريعات بدعوى منع التحريض على العنف أو الإرهاب، من خلال تشديد الرقابة على أنشطة المساجد والدروس التى تلقى فيها، بما في ذلك خطب
الجمعة، ومراجعة المناهج الدراسية المعتمدة في المدارس الإسلامية، وخصوصاً ما يتعلق منها بمواد التربية الدينية، بجانب فرض الرقابة على منظمات العمل الخيري الإسلامي، وتشديد الحصول على تأشيرة الدخول إلى هولندا أمام القادمين من الدول الإسلامية، خاصة الأئمة، ووقف منح مزيد من التراخيص لبناء المساجد .
وفى ظل هذه الأجواء تعرض نحو 20 مسجداً ومدرسة إسلامية في أنحاء هولندا لأعمال حرق في نوفمبر 2004,وشنت الأحزاب اليمينية المتشددة، وفى مقدمتها الحزب الليبرالي الشريك في الحكومة، هجمات شرسة على ارتداء الحجاب ومؤسسات ومنظمات إسلامية من ضمنها المدارس الابتدائية الإسلامية الممولة من قبل الدولة، والمنظمات الخيرية الإسلامية بهدف التضييق مادياً وإدارياً على أنشطتها .
وسجلت تقارير منظمات حقوقية أن ما لا يقل عن 174 حادث اعتداء عنصري سُجل في الفترة التي تلت اغتيال المخرج فان كوغ ، وأن 60% من الاعتداءات استهدفت المسلمين، ففي بحر أسبوعين تعرضت نحو 20 مؤسسة دينية وتربوية إسلامية إلى اعتداءات المتطرفين، فهذا الجامع في مدينة هيلدن أحرق بكامله في صباح عيد الفطر في منتصف شهر نوفمبر من العام الماضي، وآخر علق ببابه رأس خنزير، وثالث حماه المصلون من محاولات ثلاثة شبان هولنديين كانوا يحملون البنزين لإضرام النار في الجامع في مدينة هاوزن الواقعة شمال أمستردام، والمحاولة هنا لم تكن الأولى التي استهدفت الجامعة حسب قول القائمين عليه، وفي بلدة إيبن وسط هولندا التهمت النيران مدرسة إسلامية كان يؤمها أكثر من مائة تلميذ في مدينة إيبن وسط البلاد، وأثار المشهد غيظ السكان من مختلف الأصول العرقية والثقافية.
وكانت هولندا تعرف حتى وقت قريب بأنها أكثر البلدان الأوروبية تسامحاً وتحرراً في السلوك، واستقطبت المهاجرين على مدى سنوات لأسباب سخاء النظام الاجتماعي وتوفر مواطن العمل ومناخ المساواة فيها، ومنحت المقيمين من المهاجرين حق المشاركة في الانتخابات المحلية من دون شرط الهوية، وتعد البلاد ستة عشر مليون نسمة منهم مليون مهاجر مسلم غالبتهم من تركيا والمغرب، يعيشون في جاليات منفصلة نسبياً عن بعضها البعض مثلما هو الأمر بالنسبة لبقية الطوائف الدينية.
مشاركة المسلمين بالسياسة
على مستوى التمثيل السياسي فإن المسلمين في هولندا -الذين يشكلون نسبة
المسلمون والمشاركة السياسية بالخارج
6% من إجمالي عدد السكان البالغ ستة عشر مليونا -يملكون سبعة مقاعد في الغرفة الثانية (مجلس النواب)للبرلمان الهولندي، التي تتكون من 150 مقعدا,ووصفته كتابات بأنه رقم قياسي لم تدركه أي من الأقليات المسلمة الأخرى المقيمة في أوروبا، حتى تلك التي تعيش في دول عرفت أيضا بانفتاحها على الأقليات الأجنبية، كالدول الاسكندنافية وبلجيكا، وإلى حد ما إنجلترا .
ويواجه المسلمون مشاكل عملية أخرى في علاقتهم بالانتخابات؛ فنسبة إقبالهم على صناديق الاقتراع ما تزال ضعيفة ,وعلى الرغم من ميل المسلمين العام للتصويت للأحزاب اليسارية كحزب العمل وحزب اليسار الأخضر، التي تعتبر مواقفها من الأقليات الأجنبية أكثر إيجابية وعدالة - فإن كتلة كبيرة من المسلمين ما تزال تصوت لأحزاب يمينية محافظة كحزب النداء الديمقراطي المسيحي والحزب الليبرالي؛ تقديرا منها أن برامج هذه الأحزاب أكثر احتراما للأسرة، ودعما لبرامج التعليم الديني.
ويميل المسلمون من المغاربة والعرب عموما إلى التصويت لحزب اليسار الأخضر، الذي تأسس سنة 1990 على قاعدة الحزب الشيوعي الهولندي المنحل وأحزاب يسارية راديكالية، وهو معروف بانفتاحه الكبير على الأجانب ودفاعه عن اللاجئين والمقيمين غير الشرعيين ,وقد منح رئاسة لائحته الانتخابية سنة 1994 لـ "محمد الرباع" السياسي المسلم من أصل مغربي، في سابقة لم تحدث من قبل على صعيد التاريخ السياسي الغربي .
أماالمسلمون من أصل تركي فيميلون إلى التصويت لحزب النداء المسيحي الديمقراطي (CDA)، وهو حزب يميني محافظ هيمن على الحكم في هولندا قرابة 75 عاما، ولم يغادر الحكومة إلا سنة 1994، وقد عرف خلال عقد التسعينيات بدفاعه عن حق المسلمين في تأسيس مدارس إسلامية، انطلاقا من مبدئه العام في الدفاع عن التعليم الديني الخاص.
ويجد المسلمون في هولندا أنفسهم حيارى تجاه أحزاب سياسية يسارية، كحزب العمل وحزب اليسار الأخضر والحزب الاشتراكي، تملك هذه الأحزاب مواقف إيجابية من الأقليات وتدافع عن حقوق الأجانب في العدالة والمساواة والهوية، لكن برامجها تحفل بالمقابل بكل ما يسيء للقيم الدينية، كدفاعها عن الشواذ جنسيا , وفي المقابل أمامهم أحزاب يمينية لها مواقف متشددة إزاء المسلمين، ويدعو بعضها صراحة إلى مواجهة نمو أعدادهم ومحاصرة ثقافتهم، فيما تحض أيديولوجياتها على التمسك بالروابط العائلية وضرورة العودة للقيم الروحية .
في حوار أجرته إسلام أون لاين مع إدريس البوجوفي نائب رئيس مجلس ممثلي المسلمين في هولندا قال : " أنا أرى أن التخوف من الإسلام موهوم ولا محل له، وإن كانت تروج له بعض الجهات المغرضة، والأدلة على ذلك كثيرة، منها أن المسلم الذي ينتمي إلى الإسلام أصبح متشبعا بالإسلام ويدافع عن إسلامه كما يدافع عن وطنيته الهولندية.
كما أن الإسلام أصبح جزءًا من تركيبة المجتمع لا يمكن تغافله أو الاستغناء عنه. على الصعيد نفسه فإن الهولنديين بمختلف شرائحهم السياسية والاجتماعية والثقافية يتعاملون مع الإسلام كجزء من مكونات المجتمع، لأن تركيبة المسلمين بصفة عامة لم تعد مغاربة أو أتراك أو سرنام، وإنما هولنديون ممن اعتنقوا الإسلام، وأبناء ولدوا وتربوا وتشبعوا بثقافة البلد، ولذلك لا يمكن لشعب يتباهى بالحرية أن يلفظ أبناءه، أو يمنعهم حقا كفله الدستور لهم".
ومن أبرز الإنجازات التي حققها مسلمو هولندا في الأعوام الماضية إقامة الجامعة الإسلامية في روتردام. ويُعدّ افتتاح الجامعة في عام 1997 مؤشراً على النمو النوعي الذي طرأ على واقع مسلمي هولندا في السنوات الأخيرة.
ورغم ترحيب المسلمون بالانفتاح الهولندي الداخلي على الملف الإسلامي، فإنّ مسلمي هولندا يشعرون بالاستياء من المواقف الهولندية على صعيد السياسة الخارجية، خاصة في ملف الشرق الأوسط. إذ لا تتورّع لاهاي عن التحيز للدولة العبرية، فهي مؤيدة تقليدية لها في حروبها ضد العرب.